الشيخ السبحاني

596

بحوث في الملل والنحل

وتبع واصلًا وعمرو بن عبيد ، أبو الهذيل العلّاف وقد قرأت في ترجمته بعض مناظراته . ولا تنس ما ذكرناه في ترجمة « معمر بن عباد » وقد بعثه الرشيد إلى مناظرة السمني ، وهو يدلّ على أنّ المعتزلة كانوا هم المتحمّسين للمناظرة بين أهل السنّة ، وأمّا غيرهم فلا يملكون في مقام المناظرة سوى القول بأنّ البحث حرام . هذا هو القاضي عبد الجبّار قد قام في وجوه الملحدين والشاكّين في إعجاز القرآن ، فألّف كتابه « تنزيه القرآن عن المطاعن » وكتاباً آخر في نبوّة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أسماه « تثبيت دلائل نبوّة سيّدنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم » قال محقّق كتاب « شرح الأُصول الخمسة » بأنّه أعدّه للطّبع . ونحن إذا قرأنا في حياتهم هذه البطولات الفكريّة والعمليّة ، يشكل علينا قبول ما نسبه إليهم أعداؤهم من المجون والانحلال الأخلاقي . لا أقول إنّ كلّ عالم معتزلي ، عادل لا يعصي ولا يخطأ ، غير أنّ الكلام في أنّ تنزيه طائفة خاصّة كالحنابلة والأشاعرة ، ورمي طائفة أُخرى بضدّه ، ممّا لا يؤيّده الإنصاف ، فلو قلنا إنّما حكمهم حكم سائر الطوائف الإسلاميّة حيث في كلّ طائفة ظالم لنفسه ، ومقتصد ، وسابق بالخير « 1 » لكان أقرب إلى الواقع والحقيقة .

--> ( 1 ) . اقتباس من قوله سبحانه : « فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ » ( فاطر : 32 ) .